ميرزا محسن آل عصفور

66

ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع )

العادة والعقل : فرق بين ما هو ممتنع الوقوع في نفسه ، بحيث لا يمكن أن يقع بحال ، حتى على أيدي الأنبياء والأولياء ، كاجتماع النقيضين ، وجعل الواحد أكثر من اثنين ، وبين ما هو ممكن الوقوع في نفسه ، ولكن العادة لم تجر بوقوعه ، كالأمثلة الآتية ، وما كان من النوع الأول يسمى بالمحال العقلي ، وما كان من النوع الثاني يسمى بالمحال العادي ، وكثير من الناس يخلطون بين النوعين ، ويتعذر عليهم التمييز بينهما ، فيظنون ان كل ما هو محال عادة هو محال عقلا . وإليك الأمثلة : لقد اعتدنا أن لا نرى عودة الأموات إلى هذه الدنيا ، وأن يولد الصبي ، ولا يكلم الناس ساعة ولادته ، وإذا جاع أحدنا لا تنزل عليه مائدة من السماء ، وإذا أصابه العمى والبرص لا يشفى بدون علاج ، وإذا سبح اللّه وحمده لا تردد الجبال والطير معه التسبيح والتحميد ، وإذا أخذ الحديد بيده لا يلين له كالشمع ، وإذا سمع منطق الطير لا يفهم منه شيئا ، كما يخفى عليه حديث النمل ، ويعجز عن تسخير الجن في عمل المحاريب والتماثيل ، ولم يشاهد إنسانا حيا منذ قرون ، ولا انقلاب العصا إلى ثعبان ، ولا وقوف مياه البحر كالجبال ، ولا جلوس الإنسان في النار دون أن يناله أيّ أذى ، فكل هذه ، وما إليها لم تجر العادة بوقوعها ، ولم يألف الناس مشاهدتها ، لذا ظن من ظن أنها مستحيلة في حكم العقل ، مع أنها ممكنة عقلا ، بعيدة عادة ، بل وقعت بالفعل . فلقد أخبر القرآن الكريم بصراحة لا تقبل التأويل ان السيّد المسيح كلم الناس ، وهو في المهد ، وأحيا الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، وأنزل مائدة من السماء وانه ما زال حيّا ، وسيبقى حيّا إلى يوم يبعثون ، وان النار كانت بردا وسلاما على إبراهيم ، وان عصا موسى صارت ثعبانا ، وان الحديد لان لداود ، وسبح معه الطير والجبال ، وان سليمان استخدم الجانّ ، وعرف لغة الطيور والنمل . ان هذه الخوارق محال بحسب العادة ، جائزة في نظر العقل ، ولو كانت محالا في نفسها لامتنع وقوعها للأنبياء وغير الأنبياء ، فكذلك بقاء المهدي حيّا ألف سنة أو ألوف السنين واختفاؤه عن الأنظار - كما يقول الإمامية - بعيد عادة ، جائز عقلا ، واقع دينا بشهادة الأحاديث الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فمن أنكر إمكان وجود المهدي محتجا بأنه محال في نظر العقل يلزمه أن ينكر هذه